شؤون عربية ودولية

«جواز سفر إلى المستقبل»… اكتشاف «بتروبراس» يُحيي رهان البرازيل النفطي


يفتح اكتشاف «بتروبراس» هيدروكربونات قبالة سواحل ولاية أمابا، شمال البرازيل، الباب أمام جبهة نفطية جديدة قد تعيد رسم خريطة إنتاج البلاد خلال العقود المقبلة، في وقت تبحث فيه أكبر قوة نفطية في أميركا اللاتينية عن موارد جديدة لتعويض الاحتياطيات والحفاظ على مكانتها منتجاً ومصدراً رئيسياً للنفط. ويكتسب الاكتشاف أهمية أكبر مع احتدام الرهان على «الهامش الاستوائي» الذي تنظر إليه «بتروبراس» باعتباره إحدى أهم مناطق الاستكشاف الواعدة خارج نطاق حقول «ما قبل الملح» التي أرست الأساس لصعود البرازيل النفطي.

وجاء الاكتشاف في بئر «مورفو»، ضمن «الهامش الاستوائي» البرازيلي، وهو نطاق بحري واسع يمتد على الساحل الشمالي والشمالي الشرقي للبلاد، من سواحل أمابا قرب مصب نهر الأمازون إلى مناطق أخرى على المحيط الأطلسي. وتحولت هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز جبهات الاستكشاف النفطي في البرازيل، بعدما أثارت توقعات بوجود موارد كبيرة، وفي الوقت نفسه جدلاً حاداً بشأن المخاطر البيئية للتنقيب قرب منطقة الأمازون.

تبعد بئر «مورفو» الاستكشافية 175 كيلومتراً عن شواطئ أويابوكي ومسافة تقارب 500 كيلومتراً من مصب نهر الأمازون (بتروبراس)

ويكتسب اكتشاف «مورفو» أهمية خاصة، لأنه يمثّل أول اكتشاف لـ«بتروبراس» قبالة سواحل أمابا، ويقدم إلى الشركة أول مؤشر عملي على الإمكانات النفطية لهذه الجبهة الجديدة. وتقع البئر على بُعد نحو 175 كيلومتراً من الساحل، وفي مياه يبلغ عمقها 2886 متراً، فيما لا تزال أعمال الحفر والتقييم مستمرة لتحديد حجم التراكم ونوعية الهيدروكربونات وإمكانات استخراجه تجارياً.

وهنا تبدأ قصة «مورفو» الحقيقية؛ فالعثور على الهيدروكربونات لا يعني بعد اكتشاف حقل نفطي قابل للإنتاج. فما زال يتعين على «بتروبراس» استكمال عمليات الحفر وجمع البيانات الجيولوجية وتقييم المكمن، قبل أن تتمكّن من تحديد ما إذا كان الاكتشاف يمكن أن يتحول إلى مشروع تجاري واسع النطاق.

لكن بالنسبة إلى الشركة، فإن مجرد ظهور مؤشرات الهيدروكربونات في هذه المنطقة يمثّل دفعة مهمة لرهانها على «الهامش الاستوائي». فقد خصّصت نحو 2.5 مليار دولار للاستكشاف في المنطقة ضمن خطتها للفترة 2026-2030، مع برنامج يتضمّن حفر 15 بئراً استكشافية، في مسعى لتعويض الاحتياطيات والحفاظ على قاعدة الإنتاج مستقبلاً.

معادلة استراتيجية دقيقة

ويأتي هذا الرهان في وقت تواجه فيه «بتروبراس» معادلة استراتيجية دقيقة؛ فالبرازيل رسّخت مكانتها بصفتها واحدة من أبرز القوى النفطية العالمية بفضل نجاحها في استغلال مكامن «ما قبل الملح»، وهي مكامن ضخمة من النفط والغاز تقع تحت طبقات سميكة من الملح في أعماق المحيط قبالة سواحلها، وأصبحت ركيزة أساسية لإنتاج البلاد. إلا أن الحفاظ على هذه المكانة مستقبلاً يتطلّب مواصلة الاستكشاف وتعويض الاحتياطيات، مع نضوج بعض الحقول القائمة وتراجع إنتاجها تدريجياً.

ومن هنا لا يُنظر إلى «الهامش الاستوائي» بوصفه مجرد منطقة استكشاف أخرى، بل بوصفه رهاناً على الجيل التالي من الاحتياطيات البرازيلية. وإذا أثبتت عمليات التقييم أن «مورفو» تحتوي على كميات تجارية، فقد يشجع ذلك «بتروبراس» على تسريع أعمالها في المنطقة، ويفتح الباب أمام اكتشافات إضافية يمكن أن تدعم إنتاج البلاد على المدى الطويل.

مصفاة تابعة لـ«بتروبراس» في ولاية ميناس جيرايس بالبرازيل (أ.ف.ب)

نفط لتمويل التحول الأخضر

لكن المفارقة أن هذا الرهان النفطي يأتي في الوقت الذي تقدم فيه البرازيل نفسها بوصفها قوة في التحول إلى الطاقة النظيفة، وتسعى إلى توسيع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة وخفض الاعتماد العالمي على الوقود الأحفوري.

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا اختصر هذه المعادلة عندما وصف الاكتشاف بأنه «جواز سفر إلى المستقبل»، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لا يتخلى عن هدفه المتمثل في التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. وتقوم رؤيته على أن عائدات النفط يمكن أن توفر الموارد اللازمة لتمويل التحول في قطاع الطاقة وتعزيز أمن الطاقة البرازيلي.

لكن هذه الرؤية تصطدم بمعارضة بيئية قوية. فالتنقيب في «الهامش الاستوائي» يقع بالقرب من منطقة الأمازون، إحدى أغنى مناطق العالم بالتنوع الحيوي، ما يجعل أي توسع نفطي هناك موضع تدقيق من المنظمات البيئية التي تحذّر من المخاطر المحتملة على النظم البيئية البحرية والساحلية.

الرئيس البرازيلي يلقي كلمة خلال حفل تنصيب الرئيس الجديد لـ«بتروبراس» عام 2024 (أ.ب)

ولهذا فإن «جواز سفر إلى المستقبل» الذي تحدث عنه لولا يحمل معنى يتجاوز الاحتفال باكتشاف نفطي. فهو يعكس رهاناً برازيلياً على استخدام موارد الوقود الأحفوري لتمويل الانتقال إلى اقتصاد أقل اعتماداً عليه، وهي معادلة تبدو جذابة اقتصادياً، لكنها محفوفة بتحديات بيئية وسياسية.

من اكتشاف إلى مشروع تجاري

وفي الوقت الراهن، لا تزال كلمة الفصل لدى البيانات التي ستخرج من بئر «مورفو». فقد أكدت «بتروبراس» وجود الهيدروكربونات من خلال السجلات الكهربائية ومؤشرات في الصخور، لكنها لم تحدد بعد حجم التراكم أو نوعية الخام أو الموارد القابلة للاستخراج.

وقالت رئيسة «بتروبراس»، ماغدا تشامبريارد، إن الشركة تحتاج إلى نحو 15 إلى 20 يوماً إضافياً من الحفر لتكوين صورة أوضح عن حجم الاكتشاف.

وإذا أثبتت النتائج اللاحقة وجود احتياطيات تجارية كبيرة فقد تكون «مورفو» أكثر من مجرد بئر ناجحة؛ إذ يمكن أن تصبح بوابة إلى مقاطعة نفطية جديدة تساعد البرازيل على إطالة عمر إنتاجها وتعويض الاحتياطيات المستنزفة.

أما إذا جاءت الكميات أقل من التوقعات فسيظل الاكتشاف مهماً باعتباره أول دليل على الإمكانات الهيدروكربونية قبالة أمابا، لكنه لن يتحول بالضرورة إلى قصة إنتاج كبيرة.

وبين الاحتمالَين، تبدو أهمية «مورفو» اليوم في أنها نقلت «الهامش الاستوائي» من خانة التوقعات إلى خانة الاختبار الفعلي، وفتحت أمام البرازيل سؤالاً أكبر من حجم البئر نفسها: هل تستطيع البلاد الاستفادة من ثروة نفطية جديدة للحفاظ على قوتها الاقتصادية وتمويل تحولها الأخضر، من دون أن تدفع ثمناً بيئياً باهظاً؟

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى