مجموعة العشرين تصطف ضد اختلالات التجارة… والصين ترفض الإجماع

اتفقت الدول الأعضاء في مجموعة العشرين، باستثناء الصين، على ضرورة التحرك لمعالجة الاختلالات التجارية الناجمة عن السياسات «غير السوقية» والاعتماد المفرط على الصادرات، في موقف يعكس تصاعد الضغوط الدولية على بكين بسبب فائضها التجاري الضخم، في حين دفعت الولايات المتحدة باتجاه استخدام مزيد من الحواجز التجارية لمواجهة تدفق السلع الصينية منخفضة التكلفة إلى الأسواق العالمية.
.@SecScottBessent: While all but one member of the G20 was able to reach consensus, the language that is reflected in the G20 Chair’s Statement, which I will issue shortly, defines our time here and reflects the important issues of 19 members of the G20. These topics are critical… pic.twitter.com/9FPKgEYofz
— Treasury Department (@USTreasury) September 1, 2026
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في ختام اجتماع استمر يومين لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة العشرين في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولاينا، إن 19 عضواً في المجموعة أيدوا معالجة تدفقات «الصادرات الرخيصة» التي تتسبب في اختلالات اقتصادية عالمية، في حين عارضت الصين بعض بنود الموقف المشترك.

وقال بيسنت إن الاقتصادات القائمة على سياسات غير سوقية، والتي تضخ تدفقات لا تنتهي من السلع منخفضة التكلفة إلى الأسواق العالمية، «ليست مستدامة»، مضيفاً أن تأييد 19 دولة لمعالجة هذه المشكلة يعكس حجم التحدي الذي تواجهه التجارة العالمية.
وجاء في بيان لرئاسة مجموعة العشرين أن الدول المشاركة، باستثناء الصين، اتفقت على ضرورة إزالة «السياسات غير السوقية» التي تؤدي إلى تفاقم الاختلالات الاقتصادية، داعيةً الدول التي تسجل فوائض خارجية مفرطة ومستمرة إلى إزالة التشوهات التي تقيد الاستهلاك المحلي وتؤدي إلى الاعتماد المفرط على الصادرات بوصفها محركاً للنمو.
الصين في قلب المواجهة التجارية
وركز اجتماع وزراء المالية بصورة واضحة على الصين، في وقت تستخدم فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرسوم الجمركية والحواجز التجارية للضغط على شركائها التجاريين، وإعادة تشكيل تدفقات التجارة العالمية.
وقال بيسنت إنه حذّر العام الماضي الدول الأخرى من أن تشديد الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على السلع الصينية سيؤدي إلى تدفق تلك المنتجات إلى أسواقها، مضيفاً: «للأسف، كنت على حق».
ودعا وزير الخزانة الأميركي الدول الأخرى إلى دراسة الإجراءات التي يمكن أن تتخذها لحماية وظائف مواطنيها وقواعدها الصناعية، محذراً من أن استمرار تدفق المنتجات الصينية قد يؤدي إلى نقل مزيد من الأنشطة الصناعية إلى الخارج.
وتأتي هذه الضغوط في وقت كثفت فيه الصين اعتمادها على الصادرات في ظل ضعف الطلب المحلي، مع ارتفاع صادراتها الإجمالية 23.9 في المائة على أساس سنوي في يوليو (تموز)، مدفوعة خصوصاً بالمركبات الكهربائية وأشباه الموصلات وسلع صناعية أخرى.

كما سجل الفائض التجاري السلعي للصين مع الاتحاد الأوروبي 360.6 مليار يورو العام الماضي، بزيادة 15 في المائة عن عام 2024، مع استمرار اتساع الفجوة خلال العام الحالي.
وقال مفوض الاقتصاد الأوروبي فالديز دومبروفسكيس إن الصين تمثل مصدراً رئيسياً للاختلالات الاقتصادية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا لديهما أيضاً أدوار ينبغي القيام بها لتحقيق مزيد من التوازن في الاقتصاد العالمي.
دعوات أوروبية إلى الحذر
وفي المقابل، حذر وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل من أن حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب في إيران والنزاعات التجارية والرسوم الجمركية الأميركية تضغط على النمو العالمي.
وقال كلينغبايل إن «عدم اليقين سمٌّ للنمو الاقتصادي»، مضيفاً أن النزاعات التجارية التي تخوضها الولايات المتحدة، ومنها النزاع الحالي مع كندا، تقوض الثقة.
وقالت بريطانيا إنها ستواصل اتباع علاقة تجارية براغماتية مع الصين، مع التعامل بحذر مع قضية اختلالات التجارة، في وقت أوضح وزير المالية الكندي فرانسوا-فيليب شامبان أن بلاده تتعامل مع الصين وفق نهج مماثل لدول مجموعة السبع، ولكن ضمن «ضوابط واضحة».
من جهتها، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن الصين تدرك الحاجة إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة الاختلالات، لكنها ترى أن الحل يتطلب تحركاً منسقاً من أطراف عدة، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي تحتاج إلى خفض عجزها المالي المتزايد والذي يسهم في زيادة الطلب على الواردات.
المعادن الحيوية وسلاسل الإمداد
وامتد النقاش إلى القيود على صادرات المعادن الحيوية، بعدما استخدمت بكين هيمنتها على معالجة المعادن النادرة لفرض قيود على صادراتها في أبريل (نيسان) 2025، رداً على الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، وهي إجراءات أثرت أيضاً في شركات غير أميركية.
وقالت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما إنها أبلغت نظراءها في مجموعة العشرين بأن القيود التعسفية على صادرات المعادن الحيوية تضر بالاقتصاد العالمي.
وأكد بيان رئاسة المجموعة ضرورة تجنب القيود غير الضرورية على الصادرات لضمان استمرار عمل سلاسل الإمداد العالمية بصورة طبيعية.

واشنطن والصين تبحثان الذكاء الاصطناعي وإيران
وبالتوازي مع اجتماع وزراء المالية، استضافت الولايات المتحدة اجتماعاً آخر لمجموعة العشرين جمع قادة الصناعة ووزراء التجارة، حيث دفعت واشنطن باتجاه نهج أقل تشدداً في تنظيم الذكاء الاصطناعي.
وقال بيسنت إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ سيناقشان سياسة الذكاء الاصطناعي عندما يلتقيان في وقت لاحق من الشهر، مشيراً إلى الحاجة إلى مزيد من الضوابط لمنع «جهات غير حكومية» من تطوير نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها.
وانتقد بيسنت شركات الذكاء الاصطناعي، قائلاً إن الشركات التي تبني مراكز البيانات ومختبرات الذكاء الاصطناعي «فشلت بصورة فادحة» في شرح أعمالها وفوائدها للشعب الأميركي.
وأضاف أن هذه الشركات ستتحمل جزءاً من المسؤولية، وعليها إقناع الأميركيين بأن فوائد الذكاء الاصطناعي لن تتركز في أيدي مجموعة صغيرة فقط.
وفي الملف الإيراني، قال بيسنت إن الولايات المتحدة والصين وجدتا أرضية مشتركة خلال محادثاتهما، خصوصاً بشأن ضرورة ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً، وضرورة استمرار تدفق النفط والسلع عبر مضيق هرمز، الذي فرضت إيران قيوداً على حركة الملاحة فيه.
الأسواق تحت ضغط الديون والتضخم
وتزامن اجتماع مجموعة العشرين مع موجة بيع واسعة في أسواق السندات العالمية، وسط مخاوف من ارتفاع مستويات الديون والضغوط التضخمية الناجمة عن الطاقة واحتمال تشديد السياسات النقدية.
وبلغ الدين العالمي مستوًى قياسياً عند نحو 353 تريليون دولار، في حين تجاوز الدين الحكومي الأميركي 40 تريليون دولار في أغسطس (آب)؛ ما أثار مخاوف المستثمرين من تعرض سوق السندات الأميركية لمزيد من عمليات البيع.
لكن بيسنت قلل من المخاوف بشأن سوق السندات الأميركية، قائلاً إنه لا يعتقد أن السوق تمر «بأي وضع خطير».
وفي اليابان، تعمقت عمليات البيع في سوق السندات، مع ارتفاع عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات إلى 3 في المائة للمرة الأولى منذ عام 1996، في أحدث مؤشر على قلق المستثمرين من التضخم المدفوع بالطاقة واحتمال تشديد السياسة النقدية وتدهور الأوضاع المالية.
وكان بيسنت قد دعا خلال اجتماع عقده الأحد مع محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا إلى اتباع سياسة نقدية سليمة لترسيخ توقعات التضخم وتجنب التقلبات المفرطة في سعر العملة.
وقال بيسنت إن لديه معلومات لا تمتلكها السوق، وإنه يعتقد أن الحكومة اليابانية و«بنك اليابان» سيتخذان إجراءات من شأنها دعم الين.
وتُنظر إلى هذه التصريحات على أنها دعم جديد لموقف بيسنت الداعي إلى رفع أسعار الفائدة اليابانية، وسط ترقب الأسواق لاجتماع «بنك اليابان» المقرر في 17 و18 سبتمبر (أيلول).

روسيا تثير خلافاً داخل المجموعة
ولم يخلُ الاجتماع من خلافات سياسية؛ إذ أثار حضور وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف انزعاج عدد من المشاركين، خصوصاً الأوروبيين وكندا، بعدما حضرت روسيا اجتماع مجموعة العشرين للمرة الأولى منذ غزوها أوكرانيا في 2022.
وقال وزير المالية الكندي شامبان إن حضور روسيا «خلق قدراً كبيراً من عدم الارتياح حول الطاولة»، مؤكداً أن كندا نقلت موقفها إلى بقية المشاركين.
وقال مفوض الاقتصاد الأوروبي فالديز دومبروفسكيس إنه ليس الوقت المناسب لـ«تطبيع» العلاقات مع روسيا.
في المقابل، دافع بيسنت عن مشاركة سيلوانوف، قائلاً إن عدم الحوار والانخراط مع الأطراف المتنازعة يجعل حل النزاع أمراً مستحيلاً، مضيفاً أن استمرار الحوار يظل ضرورياً للوصول إلى تسوية للصراع.




