«إبسون» تتخذ الرياض مقراً إقليمياً للشرق الأوسط وشمال أفريقيا

عاد النفط إلى الاقتراب من مستوى 100 دولار للبرميل، مع اتساع المخاوف بشأن أمن الإمدادات في الشرق الأوسط، بعدما أعلنت السعودية تعرض عدد من منشآت الطاقة في جنوب المملكة لهجمات أدت إلى توقف العمليات فيها وإصابة عدد من الأشخاص.
وارتفع خام برنت، المرجع العالمي لأسعار النفط، إلى 99.46 دولار للبرميل خلال تعاملات الثلاثاء، وهو أعلى مستوى له منذ أواخر يوليو (تموز)، قبل أن يقلص جزءاً من مكاسبه. كما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 94.73 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ يونيو (حزيران).
تأتي هذه التحركات بعد أن قالت السعودية إن هجمات استهدفت منشآت للطاقة في جنوب البلاد. وأعلن الحوثيون المدعومون من إيران مسؤوليتهم عن الهجمات، وقالوا إنهم استهدفوا مجدداً مصفاة جازان البالغة طاقتها نحو 400 ألف برميل يومياً، إلى جانب منشآت مرتبطة بالسوق المحلية.
تنسيق سعودي ـ روسي في «أوبك بلس»
وفي خضم هذه التطورات، برز موقف سعودي ـ روسي يحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى مسار سوق النفط، إذ قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن موسكو والرياض ستعملان معاً بشكل وثيق ضمن إطار تحالف «أوبك بلس».
ويأتي ذلك بعد يومين فقط من اجتماع الدول السبع الرئيسية في التحالف، التي تضم السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وسلطنة عُمان، والتي قررت الإبقاء على مستويات الإنتاج المطلوبة لشهر سبتمبر (أيلول) دون تغيير بالنسبة إلى أكتوبر (تشرين الأول)، مع تأكيد الالتزام باستقرار السوق.

هل من عودة سريعة للوضع الطبيعي؟
المشكلة الأساسية بالنسبة إلى المتعاملين لا تتمثل فقط في كمية النفط التي خرجت فعلياً من السوق، وإنما في مدى صعوبة عودة التدفقات إلى مستويات ما قبل الحرب؛ فوفق تقديرات شركة «فيتول»، تبلغ كميات النفط التي تعبر مضيق هرمز حالياً نحو 10 ملايين برميل يومياً، أي نحو نصف مستويات ما قبل الحرب، مع تأكيد أن تقدير التدفقات اليومية بات أكثر صعوبة، وأن الكميات ليست مضمونة من يوم إلى آخر.
وتظهر بيانات أخرى صورة أكثر تبايناً. فقد أشارت «ريستاد إنرجي» إلى أن التدفقات عبر المضيق بلغت في الأسبوع السابق لتجدد القتال في نهاية أغسطس (آب) نحو 8 إلى 9 ملايين برميل يومياً، قبل أن تهبط لاحقاً إلى أقل من مليوني برميل يومياً، فيما ظل المتوسط المتحرك اليومي عند نحو 4 إلى 5 ملايين برميل.
وهذا التذبذب هو أحد أهم أسباب القلق في السوق؛ إذ لم يعد «هرمز» مغلقاً بالكامل ولا مفتوحاً بصورة طبيعية، وإنما تحول إلى ممر يعمل بصورة متقطعة وتحت مخاطر أمنية مرتفعة.
ويقول مصرف «إتش إس بي سي» إن السوق تتجه إلى التكيف مع ما وصفته بـ«الوضع الطبيعي الجديد»؛ أيْ مضيق لا يكون مغلقاً بالكامل ولا مفتوحاً بالكامل، وإنما تظل حركته مقيدة بصورة مستمرة.
المنتجات النفطية أكثر ضيقاً من الخام
وربما تكشف سوق المنتجات المكررة عن حجم المشكلة بصورة أوضح من سوق الخام نفسها. فحسب تقديرات «غولدمان ساكس»، بلغت حركة منتجات النفط عبر «هرمز» نحو 35 في المائة من مستويات ما قبل الحرب، مقابل نحو 70 في المائة للخام. وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة لأن المنطقة تعد مورداً رئيسياً للديزل والبنزين ووقود الطائرات ومنتجات أخرى للأسواق العالمية.
وقال مسؤول في «غولدمان ساكس» إن صدمة الإمدادات في الشرق الأوسط أكبر بالنسبة إلى المنتجات المكررة منها بالنسبة إلى الخام، خصوصاً المنتجات الثقيلة مثل الديزل.
وفي أوروبا، اقترب السعر القياسي للديزل من 200 دولار للبرميل، في إشارة إلى أن الأسواق الفعلية للوقود تعاني نقصاً أشد من ذلك الذي توحي به أسعار الخام وحدها.
كما ارتفعت علاوات الأسعار في الأسواق الفورية إلى مستويات شوهدت آخر مرة في أبريل (نيسان)، مع تداول شحنات دبي وعُمان المقرر تحميلها في نوفمبر (تشرين الثاني) بعلاوات كبيرة.
وهذا يعني أن الضغط على أسعار النفط قد ينتقل من الخام إلى المستهلك بصورة كبرى عبر أسعار الوقود، الأمر الذي يضع البنوك المركزية أمام معضلة إضافية إذا طال أمد اضطراب الإمدادات.

إمدادات جديدة… وطلب أضعف
ولا يأتي كل الدعم للسوق من منطقة الشرق الأوسط. فإنتاج الولايات المتحدة وكندا وغويانا مرشح للارتفاع بمجموع يقارب 1.4 مليون برميل يومياً هذا العام، وهو ما يساعد على تعويض جزء من النقص.
كما ظلت صادرات الخام الروسية عند نحو 5.5 مليون برميل يومياً في يوليو وأغسطس، وإن كانت أقل من ذروة يونيو البالغة 6.4 مليون برميل يومياً.
لكن روسيا خفضت توقعاتها لإنتاج النفط في 2026 إلى أدنى مستوى في 17 عاماً، وهو ما قد يحد من قدرتها على الحفاظ على مستويات التصدير الحالية.
وفي الجهة الأخرى من المعادلة، لا يزال الطلب العالمي يقدم للسوق بعض الحماية من قفزة كبرى في الأسعار. وتقدر «ريستاد إنرجي» أن يبلغ تراجع الطلب على منتجات البتروكيميائيات ووقود النقل نحو 3.5 مليون برميل يومياً في الربع الثالث، مقابل 4.5 مليون برميل يومياً في الربع الثاني، مع مساهمة الصين بأكثر من نصف هذا الانخفاض.
كما تراجعت شحنات الخام المنقولة بحراً إلى الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً خلال يوليو وأغسطس، مقارنةً بأكثر من 11 مليون برميل يومياً في فبراير (شباط).
كما توفر المخزونات الاستراتيجية الصينية، التي تقدرها «كبلر» بنحو 1.17 مليار برميل، وسادة إضافية للسوق في مواجهة اضطرابات الإمدادات.
لماذا لم يتجاوز برنت 100 دولار بعد؟
رغم كل هذه العوامل، لا يزال السؤال قائماً: إذا كانت الإمدادات مضطربة إلى هذا الحد، فلماذا لا يستقر برنت فوق 100 دولار؟
الجواب يكمن في أن السوق لا تزال تحصل على كميات مهمة من النفط عبر «هرمز» والمسارات البديلة، فيما تعوض زيادات الإنتاج خارج «أوبك» جزءاً من الفاقد. وفي الوقت نفسه، يحد ضعف الطلب، خصوصاً في الصين، من قدرة الأسعار على الصعود بصورة كبرى.
مخاطر الأسعار تميل إلى الصعود
وفي هذا الوقت، بدأت المؤسسات المالية بالفعل في تعديل توقعاتها. ورفعت «غولدمان ساكس» توقعاتها لأسعار خامي برنت وغرب تكساس الوسيط بمقدار 5 دولارات للبرميل للفترة المقبلة، على أساس استمرار اضطرابات الشحن في الشرق الأوسط حتى عام 2027.
وتتوقع المؤسسة أن يبلغ برنت 85 دولاراً للبرميل في ديسمبر (كانون الأول) 2026، مقابل 80 دولاراً لخام غرب تكساس الوسيط، قبل أن تصل توقعاتها لعام 2027 إلى 80 دولاراً لبرنت و75 دولاراً للخام الأميركي.
لكن البنك يرى أن المخاطر المحيطة بهذه التوقعات تميل بقوة إلى الجانب الصعودي. وفي سيناريو أكثر تشدداً، إذا ظل إنتاج الخليج في 2027 أقل بنحو 4 ملايين برميل يومياً من مستويات ما قبل الحرب، فإنه يمكن أن يتجاوز برنت 120 دولاراً للبرميل.
وفي المقابل، فإن عودة الإنتاج الخليجي إلى مستويات أعلى من مستويات ما قبل الحرب يمكن أن تدفع الأسعار إلى نطاق الستينات خلال 2027.
أما «إتش إس بي سي» فرفعت توقعاتها لبرنت إلى 90 دولاراً للبرميل في 2026 و85 دولاراً في 2027، متوقعةً ألا تعود السوق إلى التوازن قبل منتصف 2027، مع استمرار سحب المخزونات خلال الفصول المقبلة.

«هرمز» يظل العامل الحاسم
وبينما تتجه الأنظار إلى المحادثات الإيرانية – العُمانية بشأن فتح مسار عبور آمن ومؤقت عبر مضيق هرمز، يظل مستقبل حركة الملاحة فيه العامل الأبرز في تحديد اتجاه أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن «تقدماً كبيراً» تحقق في المحادثات مع عُمان بشأن إنشاء مسار عبور مؤقت، بعدما أعلنت طهران في وقت سابق أن التوصل إلى اتفاق بات قريباً.
ومن شأن أي انفراجة حقيقية في مضيق هرمز أن تخفف علاوة المخاطر في أسعار النفط، وتساعد على عودة مزيد من الإمدادات إلى الأسواق العالمية. في المقابل، فإن استمرار القيود على حركة الملاحة سيبقي الأسواق في حالة ترقب، ويعزز احتمالات استمرار الضغوط على الإمدادات خلال الأشهر المقبلة.
ومن هنا، فإن عودة برنت إلى مشارف 100 دولار لا تعني بالضرورة أن السوق دخلت مرحلة من الأسعار المستقرة فوق هذا المستوى، بقدر ما تعكس تغيراً في معادلة التسعير، مع انتقال اهتمام المتعاملين من مستويات المعروض والطلب إلى مدى سهولة وصول الإمدادات إلى الأسواق.
وبالتالي، لن يكون الاختبار الحقيقي في الأيام المقبلة هو تجاوز برنت حاجز 100 دولار لفترة وجيزة، وإنما مدى سرعة عودة حركة التجارة والطاقة عبر المنطقة إلى مستوياتها الطبيعية. فكلما طال أمد القيود على الملاحة، زادت حساسية أسواق النفط والمنتجات المكررة لأي تطورات جديدة، وارتفعت احتمالات بقاء علاوة المخاطر ماثلة في الأسعار.




