شؤون عربية ودولية

مطالب أوروبية بإعادة هيكلة العلاقات التجارية مع الصين


لم يعد توفير التمويل وحده كافياً لدفع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية إلى مرحلة النمو، مع اتساع احتياجاتها إلى الوصول للأسواق والعقود، وتأمين السيولة اللازمة للتشغيل، وخفض تكاليف ممارسة الأعمال، ورفع الإنتاجية والقدرة على المنافسة والتوسع.

ويأتي ذلك فيما تتوسع أدوات التمويل الموجهة إلى القطاع، إذ بلغ إجمالي التسهيلات الائتمانية التراكمية المقدمة إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر نحو 467 مليار ريال (124.5 مليار دولار) بنهاية 2025، بزيادة 33 في المائة على أساس سنوي.

وفي المقابل، تتجه الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى معالجة ما هو أبعد من فجوة التمويل، عبر توسيع وصول المنشآت إلى الأسواق والمشتريات وسلاسل الإمداد، وخفض تكاليف ممارسة الأعمال وتعزيز قدرتها على النمو المستدام.

أحد المصانع المنتجة في المدينة الصناعية بالمدينة المنورة (واس)

وفي أحدث التحركات التمويلية، أبرمت الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) اتفاقية تعاون مع «STC Bank» في سبتمبر (أيلول) 2026، تتضمّن محفظة تمويلية تصل إلى 5 مليارات ريال (1.33 مليار دولار) للمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتشمل تسهيلات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، لتغطية رأس المال العامل، والاحتياجات التشغيلية، وشراء الأصول والمعدات، وتمويل العقود والمشروعات وسلاسل الإمداد.

ولا يقتصر الاحتياج على التمويل طويل الأجل، إذ يقدّم بنك التنمية الاجتماعية منتج «رأس المال العامل» بتمويل يبدأ من 150 ألف ريال (40 ألف دولار) ويصل إلى 10 ملايين ريال (2.67 مليون دولار)، وبمدة سداد تصل إلى 12 شهراً، لتغطية التكاليف التشغيلية اليومية وتعزيز إدارة التدفقات النقدية. وتفصل منتجات البنك بين تمويل رأس المال العامل المخصص للتكاليف التشغيلية، وتمويل التوسعات الرأسمالية المخصص للأصول والتوسع.

من التمويل إلى النمو

في هذا السياق، أكد نائب محافظ الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) لخدمات المنشآت، ريان الفايز، أن المبادرات الـ13 التي تتضمّنها الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة تستهدف معالجة التحديات ذات الأولوية أمام نمو المنشآت بصورة مباشرة، وتهيئة بيئة أكثر كفاءة تدعم توسعها واستدامتها وترفع قدرتها على المنافسة خلال المرحلة المقبلة.

نائب محافظ الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) لخدمات المنشآت ريان الفايز (الشرق الأوسط)

وأوضح الفايز أن من بين المبادرات التي تركز على توسيع الفرص أمام المنشآت مبادرة تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة في المدن الصناعية والمناطق الاقتصادية الخاصة، التي تستهدف تعزيز استفادتها من الفرص المتاحة في هذه المناطق، وتوفير الممكّنات والحوافز التي تتناسب مع طبيعة أعمالها، بما يدعم نموها ويعزّز حضورها في الأنشطة الصناعية والاقتصادية وسلاسل القيمة.

وأضاف أن الاستراتيجية تتضمّن كذلك مبادرة لزيادة حصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من مشتريات الشركات الكبرى، بما يوسع وصولها إلى الفرص والعقود، ويعزّز مشاركتها في سلاسل الإمداد، ويُسهم في بناء علاقات تجارية مستدامة تدعم نمو أعمالها وقدرتها على التوسع.

وأشار إلى أن مبادرة خفض تكاليف ممارسة الأعمال تستهدف معالجة أحد التحديات المؤثرة في نمو المنشآت، من خلال دراسة الرسوم والاشتراطات بالتنسيق مع الجهات المعنية، وتطوير آليات لدعم الرسوم وفق معايير مدروسة، بما يُسهم في تخفيف الأعباء المالية المرتبطة بممارسة الأعمال وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لنمو المنشآت واستدامتها.

وبيّن الفايز أن هذه المبادرات تعمل بصورة متكاملة على معالجة عدد من الممكنات المرتبطة بنمو المنشأة، بدءاً من بيئة ممارسة الأعمال، وصولاً إلى الفرص والأسواق وسلاسل القيمة، بما يعزز قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على النمو والتوسع ورفع تنافسيتها وإسهامها في الاقتصاد الوطني.

السوق بعد التمويل

وقال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن ارتفاع التمويل الموجه إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة يعكس تطوراً واضحاً في منظومة التمويل السعودية، إلا أن التحدي لم يعد التمويل وحده، وإنما قدرة المنشأة على تحويله إلى نمو مستدام.

وأوضح العطاس أن المنشأة تحتاج إلى ثلاثة أمور متكاملة: تمويل مناسب، وسوق متاحة، وقدرة تشغيلية وتنافسية. وقال إن المنشأة قد تحصل على التمويل، لكنها تحتاج في المرحلة التالية إلى عقود وفرص بيع تمكنها من زيادة الإيرادات، إلى جانب تطوير إداري وتقني يرفع الإنتاجية، وقدرة على إدارة التدفقات النقدية والتوسع من دون أن يتحول النمو إلى ضغط مالي.

وأضاف أن الوصول إلى الأسواق والعقود يمثّل الحلقة الأكثر ارتباطاً بانتقال المنشأة من مرحلة الاستمرار إلى النمو، إذ إن التمويل يمنح المنشأة القدرة على التحرك، في حين تحول العقود والأسواق هذه القدرة إلى إيرادات وتدفقات نقدية.

ويرى العطاس أن زيادة مشاركة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المشتريات الحكومية وسلاسل إمداد الشركات الكبرى، وفتح قنوات التصدير، يمكن أن يكون لهما أثر مباشر على قدرتها على التوسع، بالتوازي مع خفض تكلفة ممارسة الأعمال ورفع الإنتاجية.

ويرى العطاس أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من مفهوم «تمويل المنشأة» إلى «تمويل نمو المنشأة»، بما يعني ربط التمويل بالأسواق والعقود والتقنية والإنتاجية والتوسع.

الاستراتيجية توسع نطاق المعالجة

ويأتي التركيز على الأسواق ضمن حزمة أوسع من الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تتضمّن 13 مبادرة لمعالجة تحديات القطاع في مجالات الوصول إلى الأسواق والفرص، والتمويل، وبيئة الأعمال، والابتكار، والبيانات، والتوسع. كما تستهدف الاستراتيجية رفع إسهام المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 35 في المائة بحلول 2030، إلى جانب توفير أكثر من 500 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.

وتتجه بعض المبادرات إلى تحويل الوصول إلى الأسواق من هدف عام إلى فرص تعاقدية مباشرة، من خلال تأهيل المنشآت وربطها بسلاسل إمداد الشركات الكبرى والمشروعات، وهو ما يظهر في خدمة «جدير» التابعة لـ«منشآت»، التي تستهدف رفع جاهزية المنشآت وتأهيلها إلى الدخول في سلاسل الإمداد والاستفادة من الفرص الشرائية.

وبذلك، لا تتوقف معادلة نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة عند زيادة التمويل المتاح، وإنما تمتد إلى قدرتها على استخدام هذا التمويل في تمويل التشغيل أولاً، ثم الوصول إلى الطلب والعقود، وتحسين الإنتاجية وخفض التكاليف، قبل الانتقال إلى مراحل التوسع والاستثمار.

وتعكس هذه المعادلة التحول من معالجة فجوة التمويل إلى معالجة فجوة النمو؛ فتوافر السيولة يمنح المنشأة القدرة على الاستمرار والتحرك، في حين يحدد الوصول إلى الأسواق وكفاءة التشغيل قدرتها على تحويل التمويل إلى إيرادات ونمو مستدام.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى