شؤون عربية ودولية

التضخم والفائدة وصدمات الطاقة تحت المجهر في منتدى إسطنبول الاقتصادي



في وقت تتشابك فيه صدمات الطاقة مع ضغوط التضخم وعدم اليقين التجاري وتسارع التحول التكنولوجي، يواجه صانعو السياسة الاقتصادية اختباراً متزايد الصعوبة في الموازنة بين كبح الأسعار والحفاظ على النمو. ويبرز هذا التحدي في أعمال «منتدى إسطنبول الاقتصادي»؛ حيث دعا وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك إلى مواصلة مسار خفض التضخم، فيما رأى عضو مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي» كريستوفر والر أن أسعار الفائدة الأميركية قد تحتاج إلى الارتفاع مجدداً إذا استمرت الضغوط التضخمية.

وتبحث اجتماعات المنتدى، الذي يُعقد في إسطنبول يومي 8 و9 أكتوبر (تشرين الأول)، مجموعةً واسعةً من الملفات التي تُعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، من السياسة النقدية والتجارة والاستقرار المالي إلى الدين والذكاء الاصطناعي وتداعيات التوترات الجيوسياسية على الأسواق.

وقال شيمشك إن تركيا لن تتخلّى عن مسار خفض التضخم، رغم أن الحرب والتطورات الجيوسياسية أبطأت وتيرة عملية خفض التضخم خلال العام الحالي، مؤكداً أن استقرار الأسعار لا يزال في صدارة أولويات البرنامج الاقتصادي للحكومة.

وأشار إلى أن الاقتصاد التركي يواجه، في الوقت نفسه، مخاطر ناجمة عن صدمات الطاقة والتطورات الإقليمية، لافتاً إلى أهمية الحفاظ على الانضباط المالي ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية.

كما أكد أن مستويات الدين العام في تركيا لا تزال منخفضة نسبياً، وأن الاقتصاد يحتفظ بقدرة على النمو مقارنة بعدد من شركائه التجاريين.

وتأتي تصريحات شيمشك في وقت تفرض فيه اضطرابات أسواق الطاقة تحدياً إضافياً أمام الاقتصادات المستوردة، إذ يمكن لارتفاع تكاليف الطاقة أن يُعيد إشعال التضخم ويُقيد قدرة البنوك المركزية على تخفيف السياسة النقدية، في الوقت الذي تحتاج فيه الاقتصادات إلى الحفاظ على زخم النمو والاستثمار.

وفي الولايات المتحدة، اتخذ النقاش منحى أكثر تشدداً. وقال والر إن «الاحتياطي الفيدرالي» قد يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً إذا استمرت البيانات الاقتصادية في إظهار ضغوط تضخمية مرتفعة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن وتيرة التحركات المقبلة يمكن أن تظل مرنة ولا تستدعي بالضرورة زيادات متتالية في كل اجتماع.

وكان «الاحتياطي الفيدرالي» قد رفع سعر الفائدة ربع نقطة مئوية في سبتمبر (أيلول) إلى نطاق بين 3.75 و4 في المائة. وأظهرت توقعات مسؤولي البنك آنذاك أن 16 من أصل 18 مسؤولاً يتوقعون زيادة أخرى في أسعار الفائدة خلال عام 2026، فيما كانت الأسواق تسعّر احتمالاً مرتفعاً لزيادة واحدة على الأقل قبل نهاية العام.

ورأى والر أن استمرار ارتفاع التضخم، إلى جانب تداعيات صدمات الطاقة والحرب مع إيران وبعض مؤشرات قوة الطلب، يبقي الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية مطروحة. لكنه شدد على أن قرارات البنك ستظل مرتبطة بتطور البيانات، وأن الفائدة لا تحتاج إلى التحرك بالوتيرة نفسها في كل اجتماع.

وتعكس هذه المواقف جانباً من المعضلة التي تواجه البنوك المركزية حول العالم، إذ لم تعد ضغوط الأسعار ناتجة فقط عن قوة الطلب المحلي، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بعوامل يصعب على السياسة النقدية التأثير فيها مباشرة، مثل أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات التجارية والجيوسياسية.

ويجمع المنتدى 16 محافظ بنك مركزي، و8 نواب محافظ، إلى جانب وزراء ومسؤولين اقتصاديين، في جلسات تبحث مستقبل الاقتصاد العالمي والتجارة والاستقرار المالي والدين، في وقت تواجه فيه المؤسسات النقدية والمالية بيئة أكثر تعقيداً بفعل تداخل التضخم والطاقة والجغرافيا السياسية والتحول التكنولوجي.

وتتناول جلسات المنتدى كذلك التوازن بين النمو وعدم اليقين التجاري، والاستقرار المالي والتنظيم، وتأثير ارتفاع مستويات الدين في السياسة النقدية، إلى جانب مناقشات حول مستقبل النظام المالي، في ظل التحولات التقنية والاقتصادية المتسارعة.

ويعكس جدول أعمال المنتدى اتساع نطاق المخاطر التي تواجه صانعي السياسة الاقتصادية، بعدما أصبحت إدارة التضخم مرتبطة بمجموعة أوسع من المتغيرات، من أمن الطاقة والتجارة العالمية إلى الدين والذكاء الاصطناعي، ما يجعل مهمة رسم مسارات واضحة لأسعار الفائدة والنمو أكثر تعقيداً.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى