شؤون عربية ودولية

الحرب تُنعش الضغوط التضخمية وتعاود رفع أسعار الجملة في الولايات المتحدة


يتعرَّض الاقتصاد العراقي لصدمة حادة نتيجة اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مع تراجع حاد في صادرات النفط التي يعتمد عليها العراق بصورة كبيرة لتمويل موازنته وتوفير العملة الأجنبية؛ ما يضع المالية العامة والحساب الجاري والاحتياطيات أمام ضغوط متزايدة.

وقال «معهد التمويل الدولي»، في تقرير صدر الخميس، إن صادرات النفط العراقية ستنخفض بنحو 22 في المائة خلال 2026؛ ما سيدفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى الانكماش بنحو 11 في المائة، في حين يتسع العجز المالي إلى نحو 11.8 في المائة من الناتج، والعجز في الحساب الجاري إلى 13.1 في المائة.

ورغم ارتفاع متوسط سعر خام برنت المتوقَّع إلى 89 دولاراً للبرميل هذا العام، مقارنة مع 69 دولاراً في 2025، فإن ارتفاع الأسعار لن يوفر للعراق سوى دعم محدود، في ظل الخصومات الكبيرة التي يُباع بها الخام العراقي، وارتفاع تكاليف الشحن، وبقاء أحجام الصادرات أقل بكثير من مستويات ما قبل الصراع.

أوراق نقدية من الدولار الأميركي معروضة لدى أحد مكاتب الصرافة في بغداد (د.ب.أ)

صادرات النفط تحت الضغط

وأوضح التقرير أن العراق من أكثر الاقتصادات تعرُّضاً لاضطراب الملاحة في هرمز، نظراً إلى أن الجزء الأكبر من الخام المنتَج في جنوب البلاد يصل إلى الأسواق العالمية عبر المحطات النفطية في الخليج، بينما لا تزال طاقات التصدير البديلة محدودة.

وتوفر الطريق الشمالية عبر تركيا متنفساً محدوداً، في حين تحتاج مسارات التصدير المقترحة عبر سوريا والأردن إلى استثمارات كبيرة وسنوات من العمل، قبل أن تتمكن من توفير طاقة تصديرية مؤثرة.

وبحسب تقديرات المعهد، ستتراجع صادرات النفط العراقية بنحو 30 في المائة في المتوسط خلال 2026 مقارنة بالعام السابق، فيما ينخفض إنتاج الخام إلى نحو 3.3 مليون برميل يومياً، مقابل 4.4 مليون برميل يومياً في 2025.

ويعني ذلك أن ارتفاع أسعار النفط لن يكون كافياً لتعويض خسارة أحجام الصادرات، خصوصاً أن سعر التعادل المالي للنفط في العراق ارتفع من نحو 55 دولاراً للبرميل في 2020 إلى 85 دولاراً في 2025، قبل أن تدفع الصدمة الحالية نقطة التعادل إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل.

الاحتياطيات تواجه الاستنزاف

ويتوقع «معهد التمويل الدولي» أن تنخفض احتياطيات العراق الرسمية، باستثناء الذهب، من نحو 74 مليار دولار في نهاية 2025 إلى 56 مليار دولار بنهاية العام الحالي، مع استمرار البنك المركزي في توفير العملة الأجنبية لتمويل الواردات والحفاظ على ربط الدينار بالدولار.

ومع ذلك، يرى المعهد أن الاحتياطيات ستبقى مصدراً مهماً من مصادر الحماية الخارجية، وإن كانت سرعة استنزافها ستصبح أكثر أهمية إذا استمر اضطراب الملاحة عبر هرمز حتى 2027.

وفي الوقت نفسه، يُتوقع ارتفاع الدين العام إلى 63.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، مقارنة مع 53.1 في المائة في 2025، نتيجة اتساع احتياجات التمويل الحكومية.

في لقطة شاشة مأخوذة من فيديو مُوزَّع يظهر رشّ الماء على ناقلة النفط «نيو أندروس» التي أفاد مسؤولو الميناء بأنها تعرضت لهجوم من طائرة مسيّرة في المياه الإقليمية العراقية (رويترز)

انتعاش قوي في 2027

ويفترض السيناريو الأساسي للمعهد أن تعود حركة الملاحة عبر هرمز تدريجياً إلى طبيعتها خلال الأشهر المقبلة مع تراجع التوترات الإقليمية وبدء العمل بترتيبات أمنية مؤقتة.

وفي هذه الحالة، يتوقع التقرير تعافي إنتاج النفط وصادراته بالكامل بحلول منتصف 2027؛ ما سيدفع الناتج المحلي الحقيقي إلى النمو بنسبة 12.6 في المائة، بعد انكماشه 10.9 في المائة خلال 2026.

كما يتوقع ارتفاع الناتج المحلي الهيدروكربوني بنسبة 24.3 في المائة العام المقبل، بعد انكماشه 20.5 في المائة خلال 2026، بينما يظل نمو الاقتصاد غير النفطي محدوداً عند نحو 2 في المائة.

ومن شأن تعافي الصادرات النفطية أن يسهم في تقليص العجزين المالي والحساب الجاري، واستقرار الاحتياطيات الأجنبية، لكنه لن يلغي نقاط الضعف الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي.

الإنفاق الحكومي يقيد التعافي

ويشير التقرير إلى أن قدرة الحكومة العراقية على امتصاص صدمة الإيرادات النفطية محدودة بسبب ارتفاع الالتزامات المرتبطة بأجور القطاع العام ومعاشات التقاعد، إلى جانب ضعف الإيرادات غير النفطية واحتياجات الإنفاق على البنية التحتية.

ويرى المعهد أن الاستجابة قصيرة الأجل ستعتمد على مزيج من خفض الإنفاق الرأسمالي، وتراكم المتأخرات المحلية، وزيادة الاقتراض الداخلي، مع استخدام جزء من الاحتياطيات لتلبية احتياجات العملة الأجنبية.

لكن هذه الإجراءات قد تؤثر بدورها في النمو غير النفطي، الذي يتوقع المعهد أن ينكمش بنحو 1 في المائة في 2026 قبل أن ينمو 2 في المائة فقط في 2027.

ويعزو المعهد ضعف النمو غير النفطي إلى مشكلات هيكلية أعمق، تشمل ضعف الاستثمار الخاص، والقيود التمويلية، وارتفاع البطالة، وضعف بيئة الأعمال، ومشكلات الحوكمة، إلى جانب أزمة الكهرباء.

وزير النفط العراقي باسم محمد خضير خلال حضوره افتتاح الدورة الرابعة من المعرض والمؤتمر الدولي للعراق لمشاريع النفط والغاز والبترول في بغداد (أ.ب)

مسارات بديلة للنفط

وفي محاولة لتقليص الاعتماد على هرمز، يعمل العراق على تطوير مسارات بديلة لتصدير النفط، تشمل تركيا وسوريا والأردن.

ويشير التقرير إلى أن العراق بدأ استخدام ميناء بانياس السوري لنقل زيت الوقود، مع خطط لبدء نقل الخام، إلا أن الكميات الحالية تظل صغيرة مقارنة بصادرات العراق التي تبلغ نحو 3.6 مليون برميل يومياً.

ويبرز مشروع خط أنابيب حديثة – بانياس بوصفه أحد أكثر الخيارات قدرة على تنويع صادرات العراق على المدى المتوسط، بطاقة أولية تتراوح بين 1 و1.5 مليون برميل يومياً، مع إمكانية رفعها إلى مليونَي برميل يومياً.

لكن تنفيذ المشروع يتطلب تمويلاً واستثمارات طويلة الأجل واستقراراً أمنياً وتوافقاً سياسياً مستداماً.

الاستثمار الأميركي فرصة ومخاطرة

وفي المقابل، يرى «معهد التمويل الدولي» أن تدفقات الاستثمار الأجنبي تمثل أحد مصادر الدعم للاقتصاد العراقي على المدى المتوسط، بعدما ارتفعت التدفقات الإجمالية من نحو 2 إلى 3 مليارات دولار سنوياً خلال 2020 – 2022 إلى 8.6 مليار دولار في 2025، بما يعادل نحو 4 في المائة من الناتج المحلي.

ويرتبط الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات بقطاع النفط والغاز، ومشروعات التقاط الغاز ومعالجته، وتطوير قطاع الكهرباء.

كما يلفت التقرير إلى تنامي الاهتمام التجاري الأميركي بالعراق، مع سعي شركات، من بينها «شيفرون» و«كونوكو فيليبس» و«هاليبرتون» و«إتش كيه إن إنرجي» و«كي بي آر»، واحتمال عودة «إكسون موبيل»، إلى تطوير مشروعات في النفط والغاز.

ويرى المعهد أن تنفيذ هذه المشروعات يمكن أن يدعم الطاقة الإنتاجية، ويزيد التقاط الغاز، ويحسن إمدادات الكهرباء، ويفتح المجال أمام دورة استثمار جديدة، لكنه يحذر في الوقت نفسه من مخاطر التنفيذ المرتبطة بالوضع الأمني والسياسي.

نساء عراقيات يتصفحن الكتب في معرض بغداد الدولي للكتاب في بغداد (أ.ف.ب)

الاستقرار السياسي شرط للتعافي

وبحسب التقرير، شهد المشهد السياسي العراقي تحسُّناً نسبياً منذ تولي رئيس الوزراء علي الزيدي منصبه في مايو (أيار) 2026، مع تركيز أكبر على تعزيز سلطة الدولة ومكافحة الفساد وجذب الاستثمار وتطوير العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على علاقات عملية مع إيران.

لكن المعهد يرى أن هذا التحسن لا يزال هشاً، في ظل استمرار نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، وقدرتها العسكرية، وارتباطاتها السياسية والاقتصادية.

ويحذر التقرير من أن تجدُّد الهجمات على المصالح الأميركية أو دول الخليج قد يؤدي إلى ردود عسكرية، ويقوّض العلاقات الاقتصادية للعراق مع دول مجلس التعاون، ويضعف ثقة المستثمرين.

المخاطر الجيوسياسية

ويعتبر المعهد أن أكبر المخاطر السلبية على آفاق العراق في 2027 تتمثل في عدم التوصل إلى اتفاق موثوق بين الولايات المتحدة وإيران، أو عدم القدرة على الحفاظ عليه؛ ما قد يطيل اضطراب الملاحة في هرمز ويؤخر عودة حركة الشحن إلى طبيعتها ويبقي أقساط التأمين مرتفعة.

وفي حال طال أمد الصدمة، قد تتسارع وتيرة استنزاف الاحتياطيات ويرتفع الدين العام بوتيرة أكبر، بحيث يتجاوز 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2027 في السيناريو الأسوأ.

ويخلص «معهد التمويل الدولي» إلى أن تعافي صادرات النفط يمكن أن يمنح العراق نافذة زمنية لإجراء الإصلاحات وإعادة بناء الاحتياطيات، لكن استدامة التعافي ستظل مرتبطة بقدرة الحكومة على تقليص الاعتماد على النفط، وإصلاح المالية العامة والمصارف والكهرباء، وتحسين الحوكمة وبيئة الاستثمار.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى