شؤون عربية ودولية

الذكاء الاصطناعي يقود بناء «أجياله اللاحقة»


يدفع ارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض العالمية، نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، الاقتصادات والأسواق إلى الاقتراب أكثر من فترة قد تكون ضارة تتسم بارتفاع التضخم وبطء النمو.

وفي الوقت الراهن، لا تزال الأسهم قرب مستويات قياسية مرتفعة، كما ظل النمو الاقتصادي صامداً بفضل موجة الإنفاق الهائلة المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي. وكان ارتفاع أسعار النفط والغاز، وصعود عوائد السندات الحكومية العالمية إلى مستويات لم تشهدها منذ حقبة الأزمة المالية، منظماً حتى الآن.

لكن عدداً متزايداً من المؤشرات يظهر أن الهشاشة قد بدأت تتسلل إلى الأسواق، وفق «رويترز».

وقال كريس جيفري، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في «إل جي آي إم»، بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض وأسعار الفائدة والطاقة: «حتى الآن، كان الأمر يتعلق فقط بالسلع وأسعار الفائدة. ولم يكن يتعلق بالأسهم والائتمان. بدأنا نشعر بالقلق من أننا قد نصل إلى مرحلة تبدأ فيها هذه التطورات بالتأثير على الأسهم والائتمان».

رفع الأسعار

عادت العقود الآجلة للنفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، بزيادة 50 في المائة عن مستوياتها قبل الحرب، في وقت تهدد فيه الهجمات المتصاعدة في أنحاء الشرق الأوسط مزيداً من مسارات إمدادات النفط.

ويظهر سوق المشتقات أن المتعاملين لا يتوقعون انخفاضاً في الأسعار على المدى القريب.

ويراهن المستثمرون بأكبر قدر على وصول خام برنت إلى 100 دولار للبرميل بحلول نهاية ديسمبر، تلي ذلك بفارق ضئيل خيارات المراهنة على بيعه عند 60 دولاراً، ما يسلط الضوء على حالة عدم اليقين الشديدة في الوقت الراهن.

شخص أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» الياباني في طوكيو (أ.ب)

ولا يقتصر الأمر على النفط الخام. فقد اقترب الديزل من مستويات قياسية مرتفعة، فيما بلغ سعر وقود الطائرات ضعف مستواه في فبراير، قبل اندلاع الحرب مع إيران، بينما سجل الغاز الطبيعي الأوروبي أعلى مستوى له منذ عام 2022، في وقت تتنافس فيه شركات المرافق الأوروبية مع منافسيها في آسيا على شحنات الغاز.

ويظهر سوق التنبؤات الإلكتروني «بوليماركت» أن المستخدمين يمنحون احتمالاً لا يتجاوز 18 في المائة لإعادة فتح مضيق هرمز بحلول ديسمبر (كانون الأول).

توقعات التضخم

بعد أن تراجع خلال الصيف، بدأ التضخم في الارتفاع مجدداً. ففي الولايات المتحدة، استقر التضخم العام عند 3.4 في المائة في أغسطس (آب)، مع ارتفاع أسعار البنزين 3.9 في المائة.

وتشير أوروبا إلى الاتجاه نفسه. فقد تسارع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.3 في المائة في أغسطس من 2.9 في المائة في يوليو (تموز)، وهو أعلى بكثير من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة، مدفوعاً بدرجة كبيرة بارتفاع أسعار الطاقة.

ولم يكن الوضع أفضل في بريطانيا، إذ تسارع التضخم إلى أعلى مستوى له في خمسة أشهر، مسجلاً 3.1 في المائة في أغسطس.

ورفع البنك المركزي الأوروبي في وقت سابق من هذا الشهر توقعاته للتضخم إلى متوسط 2.5 في المائة العام المقبل، في حين يُتوقع أن يبلغ التضخم الأساسي 2.6 في المائة في عام 2027، مقابل 2.5 في المائة في التوقعات السابقة.

ويظهر سوق المقايضات أن التضخم في منطقة اليورو من المتوقع أن يبلغ نحو 3.5 في المائة العام المقبل، وأن يظل عند 2.4 في المائة فقط بعد خمس سنوات.

وتقترب توقعات التضخم في الولايات المتحدة لمدة عام واحد من 2.5 في المائة، مع تغير طفيف متوقع خلال السنوات الخمس المقبلة.

الطاقة تدفع رهانات أسعار الفائدة بشكل متزايد

غيّرت الحرب بشكل كامل آفاق أسعار الفائدة العالمية. ففي السابق، كانت الأسواق والاقتصاديون يتوقعون أن تُبقي أكبر البنوك المركزية في العالم أسعار الفائدة دون تغيير أو تخفضها.

لكن المتعاملين يتوقعون الآن زيادات في أسعار الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي بنحو نقطة مئوية كاملة خلال العام المقبل، وزيادتين إضافيتين على الأقل من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بعد رفعه الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس يوم الأربعاء.

ويرون أن الطاقة هي العامل الأكثر تأثيراً في آفاق أسعار الفائدة.

وأبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، لكنه قال إنه يتوقع أن يتجاوز التضخم في بريطانيا 4 في المائة، أي ضعف مستواه المستهدف، بحلول أوائل عام 2027، مقارنة بذروة سابقة متوقعة عند 3.2 في المائة بحلول أواخر عام 2026.

ورفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى لها في 31 عاماً يوم الجمعة، وأشار إلى استعداده لمواصلة رفع تكاليف الاقتراض.

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

تزايد الضغوط على النمو

حتى الآن هذا العام، تمكنت اقتصادات الدول من تجاوز الضغوط المعاكسة.

وأشارت مؤشرات مديري المشتريات، وهي مقاييس تحظى بمتابعة وثيقة لنشاط القطاع الخاص، إلى توسع قوي في الولايات المتحدة وأوروبا خلال يوليو (تموز) وأغسطس.

وأظهرت بيانات صدرت هذا الأسبوع أن النمو البريطاني تجاوز التوقعات في يوليو، كما تجاوزت مبيعات التجزئة الأميركية التوقعات في أغسطس.

وقد دعم هذا الصمود أسواق الأسهم. ومن المتوقع أن تكون أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» في الربع الثاني قد نمت 53 في المائة على أساس سنوي، وفقاً لبيانات «إل إس إي جي».

لكن أسعار الطاقة تبدو مهيأة للبقاء مرتفعة، كما أدت موجة بيع السندات العالمية إلى رفع عوائد الديون الحكومية، التي تحدد بدورها اتجاه أسعار الاقتراض في كل مكان.

ويبلغ متوسط سعر الفائدة على الرهن العقاري الأميركي لمدة 30 عاماً أكثر من 6.7 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ يونيو 2025.

والسؤال بالنسبة إلى المستثمرين هو ما إذا كان النمو قادراً على الصمود أمام ارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض، في وقت بدأت فيه الشكوك تتزايد بشأن استدامة مليارات الدولارات التي تتدفق إلى قطاع الذكاء الاصطناعي.

ضغوط على السيولة لدى المستهلكين

يتزايد تعرض المستهلكين للضغوط. فقد ارتفعت تكلفة الوقود في محطات التعبئة بشدة، ومن المرجح أن ترتفع فواتير الطاقة المنزلية أيضاً هذا الشتاء، خصوصاً في أوروبا، حيث وصلت مستويات التخزين إلى أدنى مستوياتها في 15 عاماً بالنسبة إلى هذا الوقت من العام.

كما ارتفعت معدلات الرهن العقاري والاقتراض، في حين لا يواكب نمو الأجور هذه الزيادات.

ويتوقع المستثمرون تباطؤاً في الاقتصاد. وكانت أسهم شركات السلع والخدمات الاستهلاكية الكمالية في الولايات المتحدة الأسوأ أداءً في «وول ستريت» حتى الآن هذا العام، بانخفاض يقارب 6 في المائة، مقارنة بمكاسب بلغت 10 في المائة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

وفي أوروبا، كان التباين أكثر حدة، إذ تراجعت أسهم شركات السلع والخدمات الاستهلاكية الكمالية 17 في المائة هذا العام، لتكون ثاني أسوأ القطاعات أداءً بعد قطاع السلع الفاخرة، مقابل مكاسب بلغت 7.5 في المائة لمؤشر «ستوكس 600».

ومع ارتفاع أسعار الفائدة، سيكون المستهلكون الذين يعانون ضغوطاً مالية أكثر ميلاً إلى الادخار بدلاً من الإنفاق، ما يحرم اقتصاداتهم المحلية من مزيد من الدعم.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى