الرئيس والطباخ !
مطر الفتيح
ليس من السهل أن يتحدث المرء عن شخص كان يوماً ما جزءاً من منظومة كبيرة ثم اختار لاحقاً – بدافع عقدة النقص التي تلازمه – أن يتجاوز حدود اللياقة والوفاء .. فالعشرة و(العيش والملح) لهما حرمتهما ومن لا يصونهما ويحافظ عليهما يفقد الكثير من قيمته قبل أن يفقد احترام الآخرين.
(المش) مدرب المصري مصطفى حسن ، الذي جاء إلى اليمن قبل أكثر من ثلاثة عقود لم يكن اسماً معروفاً حينها .. دخل من بوابة نادي الصقر النموذجي الكيان الذي احتضنه وقدمه ومنحه الفرصة ليكون مدرباً ، وكان سبباً رئيسياً في ظهوره بما وفره له من دعم وثقة وبيئة عمل مستقرة.
لكنه وبكل أسف لم يكن على قدر هذه الثقة فبدلاً من أن يثبت نفسه كمدرب حقيقي يمتلك رؤية فنية واضحة ونظرة مستقبلية .. اعتمد على تكوين علاقات مشبوهة وعلى انتهاج أساليب بعيدة عن العمل الفني الحقيقي كالسحر والدروشة والتجارة ، أكثر من اعتماده على البناء والتطور والانتصار .. لم يكن حضوره داخل الفريق مصدر استقرار أبداً ، بل ارتبط بإثارة الخلافات وزرع الفتنة و التوتر بين اللاعبين والإداريين بل وحتى بين الأندية ، وهو أمر لا يليق بمن يفترض أن يكون قائداً ومربياً قبل أن يكون مدرباً.
ورغم كل ذلك ظل نادي الصقر كعادته كريماً معه ، فاتحاً ذراعيه له ، يمنحه الكثير ويصبر عليه ويحتويه ، وذلك ليس بغريب على قيادة الغواصات الصفراء.
في الصقر أيضاً برز اسم الأستاذ رياض الحروي كأحد الرموز التي جسدت هذا النهج الراقي ، بحكمته وإدارته المتزنة ، رفقة القائد شوقي هائل ، وحرصه الدائم على أن يبقى النادي في مكانه الطبيعي في القمة.
إن ما صدر من إساءة تجاه الأستاذ رياض الحروي من قبل (الفهلوي) مصطفى حسن هو تجسيد لحالة توهان اصابته في خريف العمر المُتعب ، فاصبح يهرف بما لا يعرف .. حالة من الاضطراب في التقدير والتعبير وطرح ممجوج يفتقر إلى الدقة والاتزان ، وهو ما ولد سخرية وانتقاصا لهذا (المش) الذي كان أبرز ما يجيده هو (الطبخ) ويعرفه كل من عاشره أنه طباخ ماهر وليس أكثر .
وليعلم (المش) مدرب أن الأستاذ رياض الحروي لم يكن مجرد إداري ناجح ومحنك ، بل كان إنساناً قبل كل شيء ، يحمل قلباً يسع الجميع دون استثناء .. عرفناه قريباً من قواعد الصقر ، على دكة البدلاء يبث روح الانتصار في صفوف الجيش الأصفر والأسود ، وفي صالة التمارين بجوار النجوم والمواهب ، داعماً ومحفزاً ، يسمع ويحتوي ويمنح الثقة بسخاء قبل أن تطلب منه .. إنسانيته حاضرة في كل موقف ، ومهنيته تنعكس في كل قرار وحضور ، جمع بين الحزم واللين بأسلوب مرن وسلس ، ما ساهم في توفير بيئة صحية داخل النادي جلبت الكؤوس والألقاب والمتعة .
وبهذه الروح القيادية الحكيمة ، إلى جانب الأستاذ شوقي هائل رئيس مجلس الإدارة ، استطاع أن يرسخ نموذجاً مختلفاً للإدارة الرياضية و جعل من الصقر الأبرز.
تبقى القامات الكبيرة ثابتة لا تهزها كلمات عابرة ولا تنال منها مواقف فردية .. أما من يسيء فإنه لا يعكس إلا نفسه ويكتب بيده كيف يفترض أن يذكر ، وكيف يجب أن يُنسى .