«جاكسون هول»… وارش أمام اختبار الأسواق ورهانات الفائدة

يتجه اهتمام الأسواق العالمية إلى جبال وايومينغ بالولايات المتحدة الأسبوع المقبل، حيث تستضيف مدينة جاكسون هول الندوة الاقتصادية السنوية التي أصبحت على مدى عقود إحدى أهم المحطات في أجندة البنوك المركزية العالمية.
لكن أهمية اجتماع هذا العام تتجاوز الموضوع المعلن للندوة؛ إذ تتجه الأنظار بصورة خاصة إلى كلمة رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)»، كيفين وارش، الذي سيخاطب المشاركين لأول مرة منذ توليه قيادة «البنك المركزي» في مايو (أيار) الماضي.
وتُعقد الندوة أيام 27 و28 و29 أغسطس (آب) الحالي، تحت عنوان «الابتكار المالي: تداعياته على المدفوعات والسياسة»، بمشاركة نحو 120 من مسؤولي البنوك المركزية وصناع السياسات والأكاديميين من أكثر من 70 دولة. لكن الأسواق ستتعامل مع الحدث بوصفه أكثر من مجرد منتدى أكاديمي؛ فخطاب وارش في 28 أغسطس الحالي سيكون فرصة نادرة للحصول على إشارات مباشرة من رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بشأن رؤيته للسياسة النقدية، في وقت يحاول فيه المستثمرون تحديد اتجاه أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
لماذا يكتسب خطاب وارش هذه الأهمية؟
خطاب وارش الذي يأتي عقب أسبوع شهد ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، والذي دفع وزارة الخزانة إلى الإعلان عن مضاعفة حجم إعادة شراء الأوراق المالية الاسمية طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، يأتي في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى السياسة النقدية الأميركية. فقد أبقى «الاحتياطي الفيدرالي» في اجتماعه الأخير أسعار الفائدة عند نطاق بين 3.50 و3.75 في المائة، لكن القرار كشف عن انقسام واضح داخل «اللجنة»، بعدما صوّت 3 أعضاء لمصلحة رفع الفائدة فوراً، في مؤشر على أن المخاوف من التضخم لا تزال حاضرة بقوة داخل «البنك المركزي».
وفي المقابل، أظهرت بيانات التضخم الأخيرة بعض العلامات التي تسمح للأسواق بتخفيف رهاناتها على تشديد السياسة النقدية. فقد جاء مؤشر أسعار المنتجين لشهر يوليو (تموز) الماضي دون التوقعات، بينما ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة محدودة على أساس شهري؛ الأمر الذي أسهم في دفع توقعات الأسواق بشأن رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) المقبل إلى نحو 39 في المائة، بعدما كانت تلك التوقعات بلغت نحو 54 في المائة قبل أسبوع.
وهنا تكمن أهمية «جاكسون هول». فالمشكلة بالنسبة إلى المستثمرين لم تعد تتمثل فقط في قراءة بيانات التضخم المقبلة، وإنما في معرفة كيف يفسر وارش هذه البيانات، وإلى أي مدى يرى أن الاقتصاد الأميركي يحتاج إلى فائدة مرتفعة مدة أطول.

وارش لا يريد ملاحقة الأسواق
سبق لوارش أن أعطى إشارات إلى أنه يريد الابتعاد عن النمط التقليدي الذي يجعل الأسواق تركز على كل اجتماع وكل مؤتمر صحافي وكل تغير بمقدار ربع نقطة مئوية. وقال بعد اجتماع 29 يوليو الماضي إنه يريد أن يستخدم خطابه في «جاكسون هول» لطرح «الأسئلة الكبيرة»، في إشارة إلى العوامل الهيكلية التي يمكن أن تحدد مسار السياسة النقدية خلال العقد المقبل. كما أكد أن «الاحتياطي الفيدرالي» لا يتحرك بناءً على أسعار السوق.
وتحمل هذه العبارة أهمية كبيرة للمستثمرين؛ لأن الأسواق أصبحت في الأسابيع الأخيرة أميل إلى توقع خفض أو تثبيت الفائدة، بينما لا يبدو أن وارش مستعد بالضرورة لتأكيد تلك الرهانات. وبالتالي، فإن خطاباً لا يقدم توجيهاً مباشراً بشأن اجتماع سبتمبر المقبل قد يكون أكبر تأثيراً من خطاب يحدد مسار الفائدة؛ إذا كشف عن الطريقة التي ينظر بها رئيس «البنك المركزي» الجديد إلى الاقتصاد والتضخم والسياسة النقدية على المدى الطويل.
مسح «بنك أوف أميركا» يكشف عن حذر المستثمرين
ويظهر حجم عدم اليقين في استطلاع أغسطس (آب) المقبل لمديري الصناديق الذي أجراه «بنك أوف أميركا»؛ إذ يتوقع 69 في المائة من المشاركين أن يتبنى وارش نبرة محايدة في «جاكسون هول»، بينما يتوقع 31 في المائة نبرة تميل إلى التشدد، في حين لا يتوقع سوى 7 في المائة خطاباً يميل إلى التيسير.
وتشير هذه التوقعات إلى أن المستثمرين لا يراهنون على تحول واضح نحو سياسة نقدية أكبر تيسيراً، رغم تراجع رهانات رفع الفائدة في سبتمبر المقبل. كما أن وجود «أقلية كبيرة نسبياً» تتوقع لهجة متشددة يعني أن أي انحراف عن النبرة المحايدة قد يؤدي إلى إعادة تسعير سريعة في أسواق السندات والعملات والذهب.
فإذا بدا وارش أكبر تشدداً مما تتوقع الأسواق، فقد ترتفع عوائد سندات الخزانة ويتعزز الدولار، في حين يتعرض الذهب والأصول عالية المخاطر لضغوط. أما إذا اكتفى بنبرة محايدة وركز على مرونة السياسة النقدية والاعتماد على البيانات، فقد تجد الأسواق في ذلك تأكيداً لتوقعاتها الحالية.

المعضلة أكبر من «اجتماع سبتمبر»
لكن قراءة «جاكسون هول» من منظور اجتماع سبتمبر المقبل فقط قد تكون مضللة. فوارش نفسه يريد توسيع النقاش إلى ما وراء دورة التضخم الحالية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي تحديات مالية وهيكلية متصاعدة.
ويبلغ الدين العام الأميركي نحو 39.9 تريليون دولار، بينما يتوقع «مكتب الموازنة» في الكونغرس أن تقترب مدفوعات الفائدة الصافية من تريليون دولار خلال السنة المالية 2026. وهذا يعني أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لا ينعكس فقط على الأسر والشركات، وإنما يزيد أيضاً تكلفة خدمة الدين الحكومي.
ومن هنا، فإن قدرة «الاحتياطي الفيدرالي» على إبقاء الفائدة مرتفعة مدة طويلة تصبح جزءاً من معادلة أوسع تشمل التضخم والنمو والاستقرار المالي وتكاليف الاقتراض الحكومي. وهذه الاعتبارات لا تظهر بالضرورة في أرقام التضخم الشهرية، لكنها قد تكون حاضرة في النقاش الذي يريد وارش فتحه بشأن الإطار طويل الأجل للسياسة النقدية.
الذهب والبنوك المركزية: رهان يتجاوز الفائدة
في المقابل، تأتي «جاكسون هول» في وقت لا تقتصر فيه رهانات الأسواق على مسار الفائدة الأميركية فقط، بل تتزامن مع استمرار البنوك المركزية في تعزيز حيازاتها من الذهب. فقد اشترت البنوك المركزية 288.9 طن من الذهب خلال الربع الثاني من 2026، بزيادة 62 في المائة على أساس سنوي، في أقوى أداء لربع ثانٍ على الإطلاق، وفق بيانات «مجلس الذهب العالمي».
ويعكس هذا الاتجاه استمرار النظر إلى الذهب بوصفه أصلاً احتياطياً استراتيجياً، خصوصاً في ظل المخاطر المالية والجيوسياسية وازدياد عدم اليقين بشأن مسارات السياسة النقدية العالمية.
ويمنح هذا الطلب الرسمي الذهب دعماً يتجاوز تأثير تحركات الفائدة الأميركية؛ إذ لا يحمل المعدن مخاطر ائتمانية ولا يرتبط بالتزامات جهة مصدرة. ومن ثم، فإن رد فعل الذهب تجاه خطاب وارش لن يتحدد فقط بما ستعنيه كلماته لأسعار الفائدة والعوائد الأميركية، بل أيضاً بالطلب المتواصل من البنوك المركزية؛ مما يجعل المعدن أحد أبرز الأصول التي ستراقب «تداعيات جاكسون هول».

الأسواق تنتظر إشارة لا قراراً
ومن المرجح ألا يمنح وارش الأسواق إجابة مباشرة عن كل ما تريد معرفته. فالتوقعات تشير إلى أنه سيحاول الحفاظ على مساحة واسعة للمناورة، من دون الالتزام مسبقاً بمسار محدد للفائدة. لكن الأسواق لا تحتاج بالضرورة إلى قرار واضح؛ فقد تكون كلمةٌ أو عبارةٌ واحدة كافيةً لتغيير توقعاتها.
وإذا أكد وارش أن السياسة النقدية يجب أن تبقى حذرة في مواجهة التضخم، فقد تعود رهانات رفع الفائدة إلى الواجهة، مع انعكاس ذلك على الدولار والعوائد والذهب. أما إذا شدد على المخاطر التي تهدد النمو أو على الحاجة إلى مرونة أكبر في السياسة، فقد تتراجع العوائد وتتجدد رهانات التيسير.
وفي كلتا الحالتين، فستكون «جاكسون هول» اختباراً مبكراً لقدرة وارش على إدارة توقعات الأسواق، ونافذة على رؤيته لمسار السياسة النقدية في المرحلة المقبلة. وتكتسب كلمته أهمية خاصة لأنها أول مشاركة له في هذه الندوة بصفته رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، فيما يبحث المستثمرون عن إجابة تتجاوز مصير الفائدة في سبتمبر المقبل، إلى سؤال أوسع: كيف سيتعامل «البنك المركزي» مع التضخم وتكاليف الدين والتحولات الهيكلية التي تعيد تشكيل الاقتصاد الأميركي خلال السنوات المقبلة؟




