سر إصابة الأولاد بالتوحد أكثر من الفتيات.. دراسة تكشف

اضطراب طيف التوحد من الاضطرابات العصبية النمائية التي أثارت اهتمام الباحثين لسنوات طويلة، خاصة بسبب التفاوت الملحوظ في معدلات الإصابة بين الذكور والإناث، وقد أظهرت الإحصاءات أن تشخيص التوحد لدى الأولاد يفوق نظيره لدى الفتيات بصورة واضحة، الأمر الذي دفع العلماء إلى البحث عن الأسباب الكامنة وراء هذا الاختلاف، سواء كانت مرتبطة بآليات التشخيص أو بعوامل وراثية وبيولوجية تؤثر في ظهور الاضطراب.
في السابق، كان الاعتقاد السائد أن الفارق في معدلات التشخيص يرجع بدرجة كبيرة إلى قصور أدوات التقييم المستخدمة، إذ تم تصميم معظم الاختبارات والمعايير التشخيصية بالاعتماد على الخصائص السلوكية الشائعة لدى الذكور المصابين بالتوحد.
ونتيجة لذلك، كثيرا ما كانت أعراض الفتيات تفسر على أنها اضطرابات أخرى مثل القلق أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو تمر دون تشخيص، ما أدى إلى انخفاض أعداد الإناث المشخصات مقارنة بالذكور.
وانعكس هذا النقص في التشخيص على مسار الأبحاث العلمية، حيث أصبحت الدراسات تعتمد بصورة أكبر على عينات من الذكور، وهو ما حد من فهم السمات الخاصة بالتوحد لدى الإناث، وأدى هذا الوضع إلى استمرار فجوة معرفية جعلت من الصعب تحديد ما إذا كانت الفروق بين الجنسين ناتجة فقط عن اختلافات في التشخيص أو أنها ترتبط أيضا بعوامل بيولوجية حقيقية.
التأثير الوقائي لدى الإناث
وفي السنوات الأخيرة، برزت فرضية علمية تعرف باسم “التأثير الوقائي لدى الإناث”، والتي تفترض أن الإناث يمتلكن درجة أعلى من الحماية البيولوجية ضد الإصابة باضطراب طيف التوحد.
وتشير هذه الفرضية إلى أن ظهور التوحد لدى الفتيات يتطلب وجود عبء وراثي أكبر مقارنة بالأولاد، وهو ما أكدته دراسات جينية وجدت أن الإناث المصابات غالبا ما يحملن عددا أكبر من الطفرات أو التغيرات الوراثية المرتبطة بالاضطراب.
وسعت الأبحاث الحديثة إلى تفسير هذه الظاهرة من خلال دراسة دور كروموسوم “إكس”، حيث كشفت دراسة تحليلية حديثة نشرت في 2026 في مجلة Nature Genetics، أن هذا الكروموسوم قد يلعب دورا محوريا في تفسير الفروق بين الجنسين.
وأوضح الباحثون أن الذكور يمتلكون نسخة واحدة من كروموسوم “إكس” إلى جانب كروموسوم “واي”، بينما تمتلك الإناث نسختين من كروموسوم “إكس”، وهو ما يمنحهن خصائص وراثية مختلفة قد تؤثر في الاستجابة للطفرات الجينية.
ورغم أن إحدى نسختي كروموسوم “إكس” لدى الإناث تتعرض لعملية تعطيل داخل الخلايا للحفاظ على التوازن الجيني، فإن الدراسات الحديثة أثبتت أن بعض الجينات الموجودة على هذا الكروموسوم لا تتوقف عن العمل بشكل كامل، بل تستمر في أداء وظائفها الحيوية.
وتعرف هذه الجينات باسم “جينات الهروب”، وتشارك في تنظيم نشاط العديد من الجينات الأخرى المسؤولة عن نمو الدماغ، وتكوين الوصلات العصبية، وتنظيم انتقال الإشارات بين الخلايا العصبية.
ويعتقد الباحثون أن استمرار نشاط هذه الجينات يمنح الإناث قدرة أكبر على تعويض الآثار السلبية لبعض الطفرات الوراثية، نظرا لامتلاكهن نسختين من كروموسوم “إكس”.
أما الذكور، الذين يمتلكون نسخة واحدة فقط، فلا يستفيدون من هذا التأثير التعويضي، ما قد يزيد من احتمالية ظهور أعراض التوحد لديهم.
ولا يقتصر تأثير هذا التفسير على اضطراب طيف التوحد وحده، إذ يرى العلماء أن الآلية نفسها قد تفسر ارتفاع معدلات الإصابة ببعض الاضطرابات النمائية والتشوهات الخلقية لدى الذكور مقارنة بالإناث.
ومن الأمثلة على ذلك تضيق بواب المعدة لدى الرضع، وهي حالة تظهر بصورة أكبر لدى الذكور، في حين تتطلب إصابة الإناث بها وجود تغيرات وراثية أكثر شدة، وهو ما يدعم فكرة وجود حماية بيولوجية نسبية لدى الإناث.
وتشير هذه النتائج إلى أهمية إعادة تقييم الفروق بين الجنسين في دراسة اضطراب طيف التوحد، بحيث لا يقتصر تفسيرها على العوامل الاجتماعية أو التشخيصية فقط، بل يشمل أيضا الجوانب الوراثية والبيولوجية التي تؤثر في قابلية الإصابة بالاضطراب، كما أن التوسع في دراسة كروموسوم “إكس” والجينات المرتبطة به قد يسهم في تطوير وسائل تشخيص أكثر دقة تراعي الاختلافات البيولوجية بين الذكور والإناث.
ويؤكد الباحثون أن فهم العلاقة بين العوامل الوراثية والجنس البيولوجي قد يفتح آفاقا جديدة لدراسة العديد من الأمراض التي تختلف معدلات انتشارها بين الرجال والنساء، بما في ذلك بعض اضطرابات المناعة الذاتية وأنواع معينة من السرطان.
ومن ثم، فإن تفسير التباين في الإصابة بالتوحد لم يعد يقتصر على اختلاف أساليب التشخيص، بل أصبح يرتبط أيضا بآليات جينية معقدة قد يكون لها دور أساسي في تشكيل نمو الدماغ والتأثير في السلوك الإنساني.
اقرأ أيضا:
دراسة: ارتفاع الحرارة ليلا أثناء الحمل قد يزيد خطر التوحد عند الأطفال




