عوائد السندات اليابانية تعيد رسم خريطة الاستثمار

تحوَّلت خطط العوائد الضخمة للمساهمين التي أعلنتها شركتا «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» إلى اختبار مبكر لجهود كوريا الجنوبية الرامية إلى إصلاح سوقها المالية وتعزيز جاذبية شركاتها المدرجة، في وقت رحَّب فيه المستثمرون بالتوزيعات السخية، لكنهم أكدوا أن الطريق لا يزال طويلاً لإنهاء ما يُعرف بـ«الخصم الكوري» الذي يضغط على تقييمات الأسهم المحلية منذ عقود.
وأدت الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز التدفقات النقدية لدى أكبر شركتين في البلاد، ما دفع المستثمرين إلى المطالبة بإعادة جزء أكبر من هذه الأرباح إلى المساهمين، وفق «رويترز».
ورغم أن قيمة برامج العوائد المعلنة من الشركتين تتجاوز 130 تريليون وون (97 مليار دولار) خلال العام الحالي، فإن رد فعل السوق ظل محدوداً. فما زال مؤشر «كوسبي» الرئيسي، الذي تُشكِّل الشركتان نحو نصف وزنه، يتداول عند مستوى يقل بنحو 26 في المائة عن أعلى مستوى تاريخي سجله في يونيو (حزيران) الماضي.
ويعكس ذلك حجم التحدي الذي يواجه برنامج «رفع القيمة» الذي أطلقته الحكومة الكورية الجنوبية عام 2024 لمعالجة «الخصم الكوري»، وهو المصطلح الذي يشير إلى تداول الأسهم الكورية عند تقييمات أدنى من نظيراتها العالمية؛ بسبب مخاوف تتعلق بحوكمة الشركات وكفاءة تخصيص رأس المال وحماية حقوق المساهمين.
وقال كلارنس لي، كبير محللي المحافظ الاستثمارية في شركة «تي رو برايس»، إن زيادة توزيعات «سامسونغ» و«هاينكس» وحدها لن تكون كافية لإنهاء الخصم الكوري في الأجل القريب.

وأضاف أن المشكلة ذات طابع هيكلي، وتتطلب أدلة مستمرة على تحسُّن ممارسات الشركات عبر شريحة أوسع من السوق، عادّاً أن ما أعلنته الشركتان يمثل خطوةً إيجابيةً لكنها غير كافية بمفردها.
وتُعدُّ الأسهم الكورية الجنوبية من بين الأفضل أداءً عالمياً هذا العام، بعدما قفزت بنحو 67 في المائة بدعم من طفرة الذكاء الاصطناعي وتحسُّن توقعات الأرباح. ومع ذلك، لا يزال مؤشر «كوسبي» يتداول عند 4.3 مرة فقط من الأرباح المتوقعة لعام 2027، وهو أدنى مضاعف ربحية في المنطقة، مقارنة بنحو 11 مرة لمؤشر آسيا والمحيط الهادئ، وفق بيانات «غولدمان ساكس».
ويرى مستثمرون أن هذه الفجوة تعكس استمرار الشكوك بشأن مدى استعداد الشركات الكورية الأخرى للسير على نهج شركات التكنولوجيا الكبرى في تعزيز عوائد المساهمين.
وقال سامي سوزوكي، رئيس أسهم الأسواق الناشئة في «ألاينس بيرنشتاين»، إن ضخامة التوزيعات المعلنة من «سامسونغ» و«هاينكس» تعكس إلى حدٍّ كبير الأرباح الاستثنائية التي حققتها الشركتان بفضل الانتعاش القوي في سوق رقائق الذاكرة، أكثر مما تعكس تحولاً جذرياً في فلسفة إعادة رأس المال إلى المساهمين.
وأضاف أن هذا ما يفسر استمرار تساؤل المستثمرين عمّا إذا كانت هذه الإجراءات كافية بالفعل لإحداث تغيير حقيقي في السوق الكورية.
كعب أخيل
ورغم الترحيب الواسع بخطة «سامسونغ» القياسية لإعادة رأس المال، يرى بعض المستثمرين والمحللين أن السياسة المعلنة لا تزال تفتقر إلى الوضوح، وقد تعتمد بدرجة كبيرة على توزيعات استثنائية يرون أنها قد تفيد العائلة المالكة للمجموعة أكثر من مساهمي الأقلية.
وتعتزم «سامسونغ» توزيع نحو 30 تريليون وون نقداً خلال الرُّبع الحالي ضمن برنامج عوائد إجمالي تتراوح قيمته بين 90 و110 تريليونات وون لعام 2026، على أن يتم الإعلان عن التفاصيل النهائية لبقية البرنامج في يناير (كانون الثاني) المقبل.
وقال كيم كيو شيك، مدير المحافظ في صندوق التحوط «فيستا غلوبال لإدارة الأصول» في سنغافورة، إن الإعلان جاء مخيباً للآمال، مشيراً إلى أن غياب أي التزام واضح بإعادة شراء الأسهم يبعث برسالة سلبية إلى السوق.
وأضاف أن هيكل الملكية داخل مجموعة «سامسونغ» يمثل «كعب أخيل» (نقطة ضعف قاتلة أو ثغرة خفية) يحد من قدرة الشركة على تنفيذ عمليات إعادة شراء واسعة النطاق لأسهمها.
ويشير محللون إلى أن أي برنامج كبير لإعادة شراء الأسهم وإلغائها قد يرفع حصص بعض المساهمين الرئيسيِّين، مثل «سامسونغ لايف» و«سامسونغ فاير»، فوق الحدود التنظيمية المسموح بها، ما قد يجبرهم على خفض ملكياتهم، ويؤدي إلى زيادة التدقيق التنظيمي في هيكل الملكية المعقد للمجموعة.
وفي ردها على استفسار لـ«رويترز»، أكدت «سامسونغ» أن قراراتها المتعلقة بعوائد المساهمين تستند إلى مصالح المساهمين أولاً، وأن الاعتبارات المرتبطة بامتثال الشركات التابعة للأنظمة التنظيمية لا تؤثر في تلك القرارات.
وأضافت أن إعادة شراء الأسهم ليست الأداة الوحيدة المتاحة لإعادة رأس المال، مؤكدة التزامها بسياسة تشمل التوزيعات النقدية وإعادة شراء الأسهم وإلغاءها عند الحاجة.

ماذا عن بقية الشركات؟
ويرى المستثمرون أن نجاح برنامج «رفع القيمة» على المدى الطويل سيعتمد على مدى استجابة الشركات الأخرى، خصوصاً أن الانضمام إلى البرنامج لا يزال اختيارياً.
وقال عادل إبراهيم، رئيس إدارة الأسهم في مجموعة «كلاي»، إن الأرقام المعلنة حتى الآن جاءت دون التوقعات، مضيفاً أن «سامسونغ» كان بإمكانها أن تكون أكثر جرأة في تنفيذ برامج إعادة شراء الأسهم بدلاً من التركيز على التوزيعات النقدية.
وأوضح أن إحجام أكبر الشركات عن اتخاذ خطوات أكثر طموحاً قد يدفع شركات أخرى إلى التردد في تبني سياسات مماثلة.
وفي المقابل، بدأت مؤشرات التغيير تظهر في السوق. فبحسب بيانات بورصة كوريا، أعلنت الشركات المدرجة منذ بداية العام برامج لإعادة شراء أسهم بقيمة 39 تريليون وون (29.1 مليار دولار)، وهو ما يتجاوز إجمالي ما أُعلن عنه خلال عامَي 2024 و2025 مجتمعَين.
وقالت يي بينغ لياو، مديرة المحافظ الاستثمارية في «تمبلتون غلوبال إنفستمنتس»، إن الشركات باتت تواجه ضغوطاً متزايدة من المستثمرين الأقلية، خصوصاً عند طرح عمليات فصل أنشطة أو استحواذات أو زيادات رأسمالية لا تصب في مصلحة جميع المساهمين.
ومع ذلك، يؤكد المستثمرون أن تحديات هيكلية عدة لا تزال قائمة، من بينها ضعف الرقابة على مجالس الإدارات، وتركيز الملكية، وهيمنة التكتلات العائلية الكبرى المعروفة باسم «تشيبول»، إضافة إلى استمرار المخاوف المتعلقة بحماية حقوق المساهمين الأقلية.
وقالت لياو إن المرحلة الحالية لم تعد تتعلق بإصلاح السياسات بقدر ما تتعلق بقدرة الشركات على إثبات التزامها العملي بتنفيذ خطط رفع القيمة وتحسين الحوكمة.




